أبو علي سينا

يه

منطق المشرقيين

كحالة الطفل الذي تعلم مبادئ الكتابة وسلك بها سبيل النمو المؤدية إلى الامكان الكامل ، وهذا العقل الذي بلغ من التدريب نصف الطريق يفيد الظن ويبعث الأمل وإن يكن بعد قد صار علماً حقيقيا . وإذا ما وصلت قوة الكتابة إلى حد الكمال فتلك الدرجة هي درجة ( العقل العامل ) السالك سبيل العلم والبرهان . وإذا صارت الكتابة عملا دائما للشخص وملكة باقية يرجع إليها حينما يريد فهذه حالة ( العقل التام ) . ان هذا العمل بمجموعه أشبه بتدريج النور إلى الجسم الذي فيه قابلية الاستنارة . ومع ذلك فان للتوصل إلى العقل العامل - وبالتعبير الديني للاتصال بالله وملائكته - درجات متعددة من حيث القابلية والاستعداد . وقد تكون قوة هذه القابلية والاستعداد على درجة من الشدة في الميل إلى القرب ( الحب ) بحيث تتجاوز مبلغ الطاقة في ارتقائها إلى مرأى الحقيقة بقوة قدسية ، وبهذه الطريقة حاولت الفلسفة أن تفسر النبوة وهي أصل من أصول الإسلام ، على أن تأثير العقل العامل لم يكن مقتصرا عندهم على الانسان فقط ، بل هو المنشأ العام أيضاً لصور هذا العالم . * * * اجتهد بن سينا في مواضع كثيرة أن يلبس عقائد الدين لباساً عقلياً ، وخصوصاً في مبحث النبوات والخوارق وفي باب القدرة الأزلية . وهو يعزز أقواله في أزلية النفس بمناقشات وردت بين أقوال أفلاطون ، ويبين أن ارسال الرسل نتيجة لمقدمات الايمان بالإله ذي السلطان العقلي والهيمنة الأدبية ، وما كانت هذه المعجزات الظاهرة إلا برهانا على قدسية الرسالة الآلهية . وذلك لأن الانسان في حاجة قبل كل شيء إلى أن يكون ذا نظر صحيح في حقيقة الأشياء ، ثم إلى قوة قادرة على استخراج الحقائق الناصعة ، وذلك حرصاً على سعادة المجتمع البشري واحتفاظاً ببقائه . ولو كان من الضروري أن توجد للعيون جفون وأهداب ، فمن الضروري كذلك أن يقوم في الناس نبي يعظهم ويبرهن لهم على أنه لا إله إلا الله ، ويرشدهم إلى شرائع ونظامات ، ويدعوهم لعمل الخير ، ويرغبهم بالجزاء في